تحت سياط الحر والاعتقال ، إدارة سجن "النقب" تحوّل أشعة الشمس إلى أداة تعذيب سادسة
في وقت تشهد فيه المنطقة موجة حر شديدة تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الأربعين مئوية، تصعّد إدارة سجن "النقب" الصحراوي من إجراءاتها التنكيلية بحق الأسرى الفلسطينيين. ولم تعد جدران الزنازين الضيقة والافتقار لأدنى مقومات الحياة كافية لإشباع سياسة التضييق، بل تحولت أشعة الشمس الحارقة في واحدة من أكثر بقاع الأرض جفافاً إلى "أداة عقاب متعمدة" يُجلد بها الأسرى يومياً.
وحسب شهادات ومتابعات قانونية صادرة عن مؤسسات الأسرى، أقدمت إدارة السجن على فرض عقوبات جماعية تقضي بإجبار الأسرى على البقاء في الساحات المكشوفة (الفورة) أو أثناء عمليات النقل والعدّ والتفتيش تحت أشعة الشمس المباشرة لفترات متواصلة تصل إلى 6 ساعات دون أي مظلات أو وسائل وقاية.
لم تتوقف العقوبة عند حد الإجبار على الوقوف في الشمس، بل ترافقت مع إجراءات تزيد من خطورة الوضع الصحي للأسرى:
تقليص كميات المياه: تعمد الإدارة إلى قطع مياه الشرب أو تقليص حصصها بشكل حاد بالتزامن مع ساعات الذروة.
سحب وسائل التبريد: صادرت الإدارة منذ أشهر جميع المراوح المهربة أو المشتراة، وتمنع دخول وسائل التهوية البسيطة إلى الغرف والخيام التي تحولت إلى ما يشبه "الأفران الحرارية".
الافتراش على الأرض: يُجبر الأسرى في كثير من الأحيان على الجلوس أو حدّ الحركة على أرضية الساحات الإسمنتية والأسفلتية الساخنة التي تمتص الحرارة وتضاعف معاناتهم.
حذرت هيئات حقوقية وطبية من التداعيات الخطيرة لهذه الممارسات على حياة الأسرى، خاصة في ظل انعدام الرعاية الطبية اللازمة.
"إن إجبار المعتقلين على المكوث لست ساعات تحت شمس الصحراء الحارقة، وبشكل يومي، يعرضهم بشكل مباشر لخطر الإصابة بضربات الشمس الحادة، والجفاف الشديد، والفشل الكلوي، فضلاً عن الحروق الجلدية والالتهابات، وهي ممارسات ترقى إلى مصاف التعذيب الجسدي والنفسي المحرّم دولياً."
وتزداد المخاوف بشكل خاص على الأسرى المرضى، وكبار السن، والأسرى الجرحى الذين يعانون أصلاً من تدهور مناعتهم نتيجة لسياسة التجويع الطبي المستمرة.
تأتي هذه الإجراءات العقابية في سجن "النقب" كجزء من سلسلة تضييقات بدأت تتصاعد وتيرتها بشكل غير مسبوق، مستغلة غياب الرقابة الدولية والمؤسسات الحقوقية وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تمنعها سلطات الاحتلال من زيارة السجون.
ويؤكد حقوقيون أن تحويل العوامل الطبيعية والمناخية إلى أدوات للتعذيب يُشكل انتهاكاً صارخاً للمادة (32) والمادة (95) من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تحظر بوضوح استخدام أي تدابير تؤدي إلى المعاناة البدنية أو تعرض حياة المحتجزين للخطر، كما تفرض على الدولة الحاجزة توفير بيئة معيشية تتناسب مع الظروف المناخية للحفاظ على صحة الأسرى.
وأمام هذا التطور الخطير، تجدد القوى الوطنية والمؤسسات الحقوقية دعواتها للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية للتدخل العاجل لإنقاذ الأسرى في سجن "النقب" وبقية السجون من "الموت البطيء" الناجم عن اشتداد الحرارة وسادية الإجراءات.