صحة
الثلاثاء 26 مايو 2026 - 4:38 مساءً

عندما يتحول المرض إلى أداة تعذيب: "الجرب" ينهش أجساد الأسرى في سجون الاحتلال وسط إهمال متعمد

عندما يتحول المرض إلى أداة تعذيب: "الجرب" ينهش أجساد الأسرى في سجون الاحتلال وسط إهمال متعمد
عندما يتحول المرض إلى أداة تعذيب: "الجرب" ينهش أجساد الأسرى في سجون الاحتلال وسط إهمال متعمد
تقرير خاص بالصوت الفلسطيني _2026
تواجه الحركة الأسيرة داخل سجون الاحتلال كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة، جراء التفشي الحاد والممنهج لمرض "الجرب" (السكابوس) بين المعتقلين. وتحوّل هذا المرض الفطري، الذي يُصنف طبياً بأنه بسيط وبسهولة يمكن علاجه في الظروف الطبيعية، إلى أداة تنكيل جماعية وإذلال متعمد، تنهش أجساد الأسرى وتكسر كرامتهم، وسط حرمان مطلق من أدنى مقومات الرعاية الصحية والنظافة الشخصية.
و تُشير الإفادات والمعطيات الواردة من داخل الزنازين إلى ظروف احتجاز مأساوية يفقد فيها الأسير القدرة على حماية نفسه أو الابتعاد عن مصادر المرض؛ فالزنازين والمنشآت الضيقة مكتظة بالأسرى بشكل يفوق طاقتها الاستيعابية بعدة أضعاف، مما يجعل الاحتكاك المباشر واليومي أمراً حتمياً، ويحول دون تطبيق أي شكل من أشكال العزل الطبي، مؤدياً إلى انتقال العدوى بشكل متسارع ومتواصل من جسد إلى آخر.
ويصف الأسرى المعاناة بأنها تبدأ بحكة صغيرة وخفيفة في الجلد، لكنها سرعان ما تتفاقم وتنتشر كالنار التي لا تهدأ في كافة أنحاء الجسد، حيث يجد الأسير نفسه مدفوعاً لحك جلده بقوة وبشكل هستيري حتى ينزف الدم، لأن تلك الحكة تنهش اللحم وتأكل الأعصاب دون توقف.
ومع غياب الشمس، تبدأ فصول أكثر قسوة في معاناة الأسرى المصابين؛ إذ يتحول الليل إلى جحيم حقيقي بفعل اشتعال المرض ونشاط الطفيليات المسببة للحكة في ساعات الظلام بشكل يفوق أي وقت آخر. ويحاول الأسرى المنهكون التماس النوم للحصول على قسط من الراحة، إلا أن الحكة الشديدة والآلام المصاحبة لها توقظهم كل بضعة دقائق، مما يحرمهم من النوم لأيام متواصلة ويتركهم في حالة من الإعياء الجسدي والنفسي التام.
إن الجانب الأكثر مأساوية في هذه الكارثة ليس المرض بحد ذاته، بل السياسة الممنهجة التي تتبعها إدارة سجون الاحتلال؛ حيث تترك المرض ينتشر عمداً بين المعتقلين كعقوبة جماعية صامتة. وتؤكد التقارير حرمان الأسرى من المقومات الأساسية للشفاء، ومنها:
غياب العلاج الطبي: الرفض التام لتقديم الأدوية والمراهم الطبية اللازمة لمكافحة الطفيليات.
انعدام الملابس النظيفة: إجبار الأسرى على البقاء بملابس متسخة لفترات طويلة دون السماح بتبديلها.
منع الأغطية المعقمة: حظر إدخال الأغطية النظيفة أو تعقيم الفرشات والوسائد الموجودة.
ويشمل هذا المنع حرمان الأسرى من الحد الأدنى من النظافة الإنسانية، كتقليص كميات المياه ومنع أدوات الاستحمام والصابون، مما يجعل من السجون بيئة مثالية لاستدامة المرض وتجذره.
ونتيجة لاستمرار هذه الدائرة المفرغة من العدوى وغياب العلاج، تحولت أجساد مئات الأسرى إلى كتل من الجروح والتقرحات والدمامل الملتهبة. ويترافق هذا التدهور الصحي مع آلام جلدية حادة لا تطاق، وإرهاق دائم ينهك القوى، فضلاً عن انتشار الالتهابات البكتيرية الثانوية فوق الجلد المتهتك، مما تسبب في انبعاث روائح كريهة وعفنة تعبق داخل الزنازين المغلقة وتخنق الأسرى، لتزيد من مرارة ظروف الاحتجاز الساقطة أساساً من الحسابات الإنسانية الدولية.
ختاماً، يتضح بشكل جلي أن صمت إدارة السجون وإصرارها على منع وسائل الشفاء يندرج ضمن سياسة ممنهجة لتحويل المرض البسيط إلى أداة إذلال وتعذيب جماعي. إنها عملية تدمير بطيء ومقصود تهدف إلى نهش جلود الأسرى، وتحطيم بنيتهم الجسدية، وبتر ما تبقى لديهم من صحة وكرامة إنسانية، في ظل غياب الرقابة الحقوقية الدولية وتنصل الاحتلال من كافة الاتفاقيات والمعاهدات التي تحمي حقوق الأسرى والمعتقلين.